الآلوسي
12
تفسير الآلوسي
رأيتك تبتغي ( عنتي ) وتسعى * مع الساعي عليّ بغير دخل وقيل : أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان بعد صلاح حاله ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح ، ويفهم من كلام كثير من اللغويين أنه حقيقة في الإثم وكذا في الجهد والمشقة ، ومنه - أكمة عَنُوت - أي صعبة المرتقى ، وفسره الزجاج هنا بالهلاك ، والذي عليه الأكثرون ما تقدم وهو مأثور أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : المراد به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد ، ورجح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه مع ما فيه من الإشارة إلى أن اللائق بحال المؤمن الخوف من الزنا المفضي إلى العذاب ، وفي هذا إيهام بأن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه وأياً مّا كان فهو شرط آخر لجواز تزوج الإماء عند الشافعي عليه الرحمة ، ومذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه ليس بشرط وإنما هو إرشاد للأصلح * ( وَأَن تَصْبرُواْ ) * أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين . * ( خَيْرٌ لَكُمْ ) * من نكاحهن وإن رخص لكم فيه لأن حق الموالي فيهن أقوى فلا يخلصن للأزواج خلوص الحرائر إذ هم يقدرون على استخدامهن سفراً وحضراً ، وعلى بيعهن للحاضر والبادي ، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سميا إذا ولد لهم منهن أولاد ، ولأنهن ممتهنات مبتذلات خراجات ولاجات وذلك ذل ومهانة سارية للناكح ، ولا يكاد يتحمل ذلك غيور ، ولأن في نكاحهن تعريض الولد للرق . وقد أخرج عبد الرزاق وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : " إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرقه نصفه " وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : " ما تزحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً " وعن أبي هريرة وابن جبير مثله . وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال : " نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا للمضطر " وفي " مسند الديلمي والفردوس " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " وقال الشاعر : ومن لم تكن في بيته قهرمانة * فذلك بيت لا أبا لك ضائع وقال الآخر : إذا لم يكن في منزل المرء حرة * تدبره ضاعت مصالح داره * ( واللَّهُ غَفُورٌ ) * أي مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن ، وإنما عبر بذلك تنفيراً عنه حتى كأنه ذنب * ( رَّحيمٌ ) * أي مبالغ في الرحمة فلذلك رخص لكم ما رخص . هذا ومن باب الإشارة الاجمالية في بعض الآيات السابقة : أنه سبحانه أشار بقوله عز من قائل : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) * إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات التي قد تصرف فيها الآباء العلوية * ( إلا ما قد سلف ) * ( النساء : 22 ) من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة الكمالات ، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق سبحانه ، وأشار سبحانه بتحريم المحصنات من النساء أي الأمور التي تميل إليها النفوس إلى تحريم طلب السالك مقاماً ناله غيره ، وليس له قابلية لنيله ، ومن هنا قوبل الكليم بالصعق لما سأل الرؤية ، وقال شاعر الحقيقة المحمدية : ولست مريداً أرجعن بلن ترى * ولست بطور كي يحركني الصدع